ابن عربي
272
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
به في كل ما ذكره في هذه الآية ، « وَكُلُوا وَاشْرَبُوا » أمر بإعطاء ما عليك لنفسك من حق الأكل والشرب « حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ » إقبال النهار « مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ » إدبار الليل ، يريد بياض الصبح وسواد الليل ، وعلى ذلك يكون التبيين للناظر إليه حينئذ يحرم الأكل « مِنَ الْفَجْرِ » لانفجار الضوء في الأفق ، وذلك الحد هو الفجر الأبيض المستطير ، وهو الأولى من الفجر الأحمر ، والأخذ بالتواتر في ذلك أولى من الأخذ بالخبر الواحد الصحيح ، والقرآن متواتر وهو القائل « حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ » والذي أذهب إليه في الحكم أنه لا يحرم الأكل من حصول الطلوع في نفس الأمر ، لكن ما حصل البيان عند الناظر ، ويحرم الأكل عند تبيّن الفجر وإذا سمع النداء بالفجر الصادق ، إذا كان في البلد من يعلم أنه لا ينادي إلا عند الطلوع الذي تصح به الصلاة ، فإذا سمع المتسحر ذلك وجب عليه الترك ، وقد أجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك عن المطعوم والمشروب والجماع ، فلا يمنع الأكل طلوع الفجر الأول شرعا ، وفي الفجر الثاني خلاف ، وموضع الإجماع الأحمر ، وسمي الفجر الأول الكذاب لأنه ربما يتوهم صاحب السحور أن الأكل محرم عنده وليس كذلك ، فإن علته ضرب الشمس أو طرح شعاعها على البحر فيأخذ الضوء في الاستطالة ، فإذا ارتفعت ذهب ذلك الضوء المنعكس من البحر إلى الأفق ، فجاءت الظلمة وبرزت الشمس إلينا ، فظهر ضوؤها في الأفق كالطائر الذي فتح جناحيه ، ولهذا سماه مستطيرا ، فلا يزال في زيادة إلى طلوع الشمس ، وسمت العرب الفجر الكاذب ذنب السرحان لأنه ليس في السباع أخبث منه ولا أكثر محالا ، فإنه يظهر
--> لما في قلبه من تعظيم اللّه ، وإنما الإنسان تغلب عليه الشهوة في ذلك الأمر ، فيتوجه إلى تحصيله ويذهل عما في فعله من ترك تعظيم واجب حق اللّه فيه ، ويعلم أن له ربا يأخذ بالذنب ويغفر الذنب ، فما خان المؤمن ربه وإنما خان نفسه ، حيث فوتها ما لها من الأجر في الوفاء بالأمانة ، فقال سبحانه لما علم هذا منهم وأنهم خانوا أنفسهم ولم يخونوا ربهم ولا رسوله ، كان هذا القدر شفيعا لهم عند اللّه فأخبر فقال « فَتابَ عَلَيْكُمْ » أي رجع عليكم بتحليل ما كان حرمه عليكم « وَعَفا عَنْكُمْ » يقول : وأذهب عنكم تحريم ذلك ، يقال عفا رسم الدار إذا ذهب أثرها ودرس ، وأتى بالعفو دون غيره لأنه يتضمن إزالة التحريم وعدم المؤاخذة على الخيانة « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » يقول : جاء زمان الإباحة فباشروهن كناية عن النكاح ، ولم يذكر الرفث هنا لأنه